ابن قيم الجوزية

285

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

هذا إلا محبة صادقة ، والذكر الدائم بالقلب واللسان ، وتجنب المفسدات الأربع الباقية الآتي ذكرها . ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة ومادة قوة من اللّه عزّ وجلّ ، وعزيمة صادقة ، وفراغ من التعلق بغير اللّه تعالى . واللّه تعالى أعلم . المفسد الثاني من مفسدات القلب : ركوبه بحر التمني ، وهو بحر لا ساحل له . وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم ، كما قيل : إن المنى رأس أموال المفاليس . وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان ، وخيالات المحال والبهتان . فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة ، والخيالات الباطلة ، تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة ، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية . ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية . بل اعتاضت عنها بالأماني الذهنية . وكلّ بحسب حاله : من متمن للقدرة والسلطان ، وللضرب في الأرض والتطواف في البلدان ، أو للأموال والأثمان ، أو للنسوان والمردان فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصولها ، والتذّ بالظفر بها . فبينا هو على هذه الحال ، إذ استيقظ فإذا يده والحصير . وصاحب الهمة العلية أمانية حائمة حول العلم والإيمان . والعمل الذي يقربه إلى اللّه ، ويدنيه من جواره . فأماني هذا إيمان ونور وحكمة . وأماني أولئك خدع وغرور . وقد مدح النبي صلى اللّه عليه وسلم متمني الخير ، وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله ، كالقائل : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه . ويصل فيه رحمه ، ويخرج منه حقه . وقال : « هما في الأجر سواء » وتمنى صلى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع : أنه لو كان تمتع وحلّ ولم يسق الهدي ، وكان قد قرن . فأعطاه اللّه ثواب القرآن بفعله ، وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته ، فجمع له بين الأجرين . المفسد الثالث من مفسدات القلب : التعلق بغير اللّه تبارك وتعالى . وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق . فليس عليه أضر من ذلك . ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه ، فإنه إذا تعلق بغير اللّه وكله اللّه إلى ما تعلق به ، وخذله من جهة ما تعلق به ، وفاته تحصيل مقصوده من اللّه عزّ وجلّ ، بتعلقه بغيره ، والتفاته إلى سواه . فلا على نصيبه من اللّه حصل ، ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل . قال اللّه تعالى : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ( 81 ) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 ) [ مريم : 81 ، 82 ] وقال تعالى : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) [ يس : 74 ، 75 ] . فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير اللّه ، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به ، وهو معرض للزوال والفوات . ومثل المتعلق بغير اللّه : كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت ، أوهن البيوت . وبالجملة : فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها : التعلق بغير اللّه . ولصاحبه الذم والخذلان ، كما قال تعالى : لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا ( 22 ) [ الإسراء : 22 ]